شرح درس ومفهوم النظرية والتجريب في الفلسفة للثانية باكالوريا


التجربة والتجريب :
 إن الحديث عن النظرية داخل الممارسة العلمية يقتضي منا الوقوف عند عدة تساؤلات ذات طبيعة ابستيمولوجية ومن بين هذه التساؤلات
يستوقفنا سؤال الفرق أو ما هو الفرق بين مفهومي التجربة والتجريب؟
- يعتبر الفيلسوف الفرنسي " ألكساندر كويري " ان التجربة تعبير عن نوع من الحس التجريبي ولو اعتبرت السمة الاساسية للعلم الكلاسيكي
فهي مع ذلك تظل تشكل معطا غامضا اذ ان التجربة بمعنى العام الملاحظة العامية فهي لم تشكل سوى عائق ابستيمولوجي يحول دون تقدم المعرفة
العلمية في حين يشكل التجريب نوعا من المساءلة المنهجية للطبيعة فهو إذن نقطة تقاطع بين ما هو امبريقي تجريبي و ما هو رياضي عقلي ان
التجريب اذن يمكننا من انشاء فكرة واضحة حول الواقع اعتمادا على استبدالات علمية رياضية. لعل ما اصبح يميز الممارسة العلمية المعاصرة هو
هذا التوجه نحو ما هو عملي و هو توجه يفترض اعتماد التجريب كمنطلق لفهم الواقع بناءا على مقدمات رياضية. - في ذات السياق ينظم الرياضي الفرنسي المعاصر " رونيه توم " الى النقاش الابستيمولوجي الدائر حول اشكالية التجربة والتجريب داخل
النظرية العلمية . بحيث يميز بين التجربة والتجريب. فإذا كانت التجربة في العلم الكلاسيكي تعني التكرار فإن التجريب يعني بناء التجربة وفق
ادوات وشروط علمية دقيقة يلخصها في الشروط التالية : 1 عزل الظاهرة ويقتضي بذلك مختبرا علميا مجهزا . 2 اعتماد وسائل علمية تجريبة.
3 احداث تأثيرات طاقية او كيميائية على الظاهرة المدروسة بهدف رصد ردود فعلها. 4 تسجيل مجمل التغيرات التي تظهر على الظاهرة
المدروسة. بالإعتماد على هذه الخطوات يتسنى للعالم الانتقال من التجربة بمعناها الكلاسيكي الى التجربة بمعناها المعاصر أي الانتقال الى
التجريب الذي يخول للعالم بناء النظرية العلمية . - في ذات السياق يعدد الفيزيولوجي الفرنسي " كلود برنار " التجربة بإعتبارها خطوة تتحقق من خلالها الفكرة او الإفتراض القبلي الذي يبنيه
العالم حول ظاهرة ما وفي هذا الاطار ميز الفيلسوف داخل المنهج التجريبي بين الخطوات التالية : 1 الملاحظة وداخل الملاحظة يمكن ان نميز بين
الملاحظة العامية والملاحظة العلمية. 2 الفرضية وهي الفكرة التي يكونها العالم حول ظاهرة ما وداخل الفرضية يمكن ان نميز بين الفرضية
التخميمية والفرضية العلمية. 3 التجربة وهي المحك الذي نختبر من خلاله الفرضية . فإذا ثبت صدقها تحولت من فرضية تخميمية الى فرضية
علمية . 4 استنتاج وصياغة القانون وهي الخطوة التي ينتمي اليها العالم من استخلاص النتائج العلمية وبناء القوانين النظرية .اعتبارا لهذا
سنجد كلود برنارد يلخص هذه الخطوات في قوله ) ان الفكرة التي تبلورت من خلال الوقائع هي التي تمثل العلم . اما الفرضية التجريبية فليست
سوى فكرة علمية متصورة . ان النظرية ليست شيئا عذا الفكرة العلمية المراقبة من طرف التجربة .

العقلانية العلمية :
 ماهي الأسس التي تقوم عليها النظريات العلمية؟ وبالتالي ماهي التحولات التي طالت العقل والعقلانية العلمية وأخيرا كيف تتحدد العقلانية
العلمية بين المعرفة العلمية والكلاسيكية والمعرفة العلمية المعاصرة ؟ لقد شكل هذا السؤال متار جدل ابستيمولوجي بين الأطروحات و التصورات
الابستيمولوجية المختلفة . - ينطلق " جون بيير فرنار " من مسائلة طبيعة العقل وأصوله ، إذ يعتبره ظاهرة بشرية ومن ثم فهو خاضع في تطوره للشروط التاريخية، إن
العقل إذن محايث بالتاريخ فهو لا يقع على هامش التاريخ بل هو مرتبط بالصيرورة التاريخية والتحولات التي تلحق مسار المعرفة العلمية .وفي
هذا الإطار نجد "جون بيير فرنار"يحدد لنا طبيعة العقل بين العقلانية الكلاسيكية والعقلانية المعاصرة .تتحدد طبيعة العقل في العلم الكلاسيكي
بإعتباره بنية قبلية ثابتة فهو إذن جوهر متعال مطبوع بالصرامة والثبات والانغلاق.ولعل هذا ما يمكن أن نلمسه في العقلانية الكلاسيكية التي كانت
تنهض على مفاهيم مثل الثبات، الصرامة، الاطلاقية، والانغلاق.لقد اصبح العقل المعاصر يعبر عن الروح العلمية المعاصرة التي شكلت قطيعة
ابستيمولوجية مع التقنيات والمطلقات الكلاسيكية.فالعقلانية المعاصرة أصبحت أكثر انفتاحا ومرونة ونسبية الشيء الذي جعل العقل المعاصر
يتشبع بهذه الروح العلمية المعاصرة . - في ذات السياق يندرج تصور المفكر " محمد أركون " ضمن سياق النقاش الابستيمولوجي المرتبط بتطور العقل وانتقاله من عقل كلاسيكي
منغلق إلى عقل معاصر منفتح . يميز "اركون" داخل صيرورة العقل الغربي بين 3 مراحل وهي مرحلة القرون الوسطى والمرحلة الحديثة أو الكلاسيكية ثم المرحلة المعاصرة.
ففي القرون الوسطى كان العقل الغربي لاهوتيا، إذ كان آباء الكنيسة يحتكرون المعرفة الفلسفية أو العلمية أو الدينية، وكانوا يطبعونها بطابع ديني
لاهوتي يعبر عن تعاليم الكنيسة إلا أن العقل في الأزمنة الحديثة قد بدأ يتحرر من سلطة الكنيسة و رجال الدين . وهكذا عرف العقل تحولا في
مساره وفي منطقه و أسسه وهذا ما مثله فلاسفة محدثون كديكارت و سبينوزا بحيث خلصوا العقل من طبيعته اللاهوتية
في هذا السياق ينخرط " أولمو " الذي يميز بين أسس العقلانية الكلاسيكية والعقلانية المعاصرة فبالرغم من الشك الديكارتي والنقد الكانطي
ظل العقل الكلاسيكي عقلا ثابتا مطلقا يقينيا لا ينمو ولا يتطور انه جوهر متعالي او بنية فكرية قبلية بخلاف ذلك عرف العقل في العقلانية
المعاصرة تحولا في طبيعته جعله عقلا متطورا ديناميا نشيطا وفعالا انه عقل يعبر عن النشاط والفعالية المرتبطة بالممارسة الإنسانية .


معايير علمية النظريات العلمية :
 يحيلنا الحديث عن علمية النظريات العلمية الى التساءل عن معاييرها ؟ لقد شكل هذا السؤال متار جدل بين الأطروحات و التصورات
المختلفة
- ينظم " اينشتاين " الى هذا السجال ويعتبر ان التجربة لا تشكل بمعناها الكلاسيكي أساس المعرفة العلمية بل تشكل عائق ابستملوجيا يحول دون
بناء المعرفة العلمية وتقدمها، فالمعرفة العلمية المعاصرة أصبحت تقوم على مقدمات العمل الرياضي القائم على الاستنباط و الاستنتاج و التماسك
المنطقي الرياضي بحيث تكون نتائج هذا النسق الرياضي متطابقة مع التجربة , يمكن أن نفهم ذلك من خلال المعرفة العلمية المعاصرة. - ويقوم تصور " دوهيم " على ان النظرية لا تعتمد على معطيات التجربة وحدها فصدق وصلاحية النظرية العلمية يرتبط بكونها نسق القضايا
الرياضية ويمكن إجمال هذه القضايا الرامية إلى مبادئ اعتماد الرموز الرياضية في: قياس الوقائع الفيزيائية ، وصياغة الرياضية ، واعتماد
قواعد التحليل، والمقاربة بين المعطيات الرياضية مع الوقائع التجريبية.وان معيار صدق وصلاحية النظرية يتميز بعدم وجود تناقض بين
الافتراضات والنتائج المستنبطة منها. وعليه فان الاتفاق مع التجربة هو الذي يشكل بالنسبة للنظرية الفيزيائية المعيار الوحيد للحقيقة

**************
جميع دروس مادة الفلسفة مشروحة بالكامل على طريق الباكالوريا من هنا
**************